"كان ياما كان": الكاميرا حين تحكي الحكاية
الفنان ستيف سابيلا :القدس التي عرفتها في طفولتي لم تعد هي!

 

سمية السوسي

 

ستيف سابيلا، فنان من القدس، اختار الكاميرا للبحث في الذاكرة وتدوينها بالصور ومحاولة إحيائها من جديد. يبحث في الضوء عن عتمة محببة وتأخذه عتمة الصور إلى رؤيا أوسع. يغوص في أبعاد المكان ساعياً لخلق أبعاد أخرى. يحلّق في مساحة لا تنتهي من الشخوص والمكان والذاكرة والمسافات.
حين التقيته في ليل غزة، كان البحر وعتمة الغيمات الداكنة والسماء المزينة بنصف قمر وأضواء مراكب الصيد، خلفية للحوار.
ستيف يتحدث كمن يرسم لوحة أو يكتب نصاً، صوره عالمه ، تلك التي تحمل واقعاً فلسطينياً حقيقيا بعيدا عن المباشرة ونشرات الأخبار والمكرر والعادي. لمناسبة معرضه الجديد "كان ياما كان" الذي سبق وافتتح في رام الله، وسيفتتح في العشرين من شهر تشرين الأول الحالي، في المركز الثقافي الفرنسي في القدس، واقتناصاً لزيارته لغزة، أجريت معه هذا الحديث حول تجربته الفنية.
يقول ستيف: كان "بحث" هو أول معرض لي، وقد كان بالأبيض والأسود. علاقتي قديمة بالأبيض والأسود بحيث يكاد يكون بيتي خالياً من الألوان، لأنني أتعامل بشكل يومي مع مختلف الألوان ولابد لي في النهاية من أن أستريح من الضجيج اللوني. في الأبيض والأسود يتجلى الجانب الروحاني في محاولة للهرب من الواقع الضاج باللون ومحاولة رؤية ما لا تراه العين والتركيز على خلق الجمال. يأتي توزيع الضوء بين الأبيض والأسود ليحمل المُشاهد إلى عالم هادئ وشفاف للتأكيد أننا نمتلك كل هذا الجمال بداخلنا، لكننا نغفل عن رؤيته.


في معرضي الثاني "هوية" أحاول العودة للطفولة من خلال الطبيعة لمساءلة كل شيء، حتى لو كان فرشة ملقاة على الرمل، أو شجرة تجاور سماء زرقاء، الأزرق هنا سيد المجموعة لكنه ازرق يحتفي بخصوصيته ووحدته وفرادته ولا ينفصل عن الواقع. ازرق لم يعد يلتفت إليه احد أسعى إلى إعادته إلى أذهان الناس. هذا العمل كما أراه هو احتفال بالوحدة وصراع بين مقدمة الصورة وخلفيتها، إعادة رؤية للحقيقة من زاوية ثالثة للغوص فيها ومعرفتها جيدا؛ وفي داخل هذه الصور رحت أرى؛ حيث استطعتُ أن أرى من خلال صوري لأجد عالماً كابوسياً ، فحاولت مثل من يستيقظ من كابوس مرعب أن أقف على أرض أعرفها.
في معرضي الثالث "نهاية الأيام" هناك بحث عن مساحة للهرب، عن انتماء لمكان فقد نفسه وعن شخوص قد تكون في حقيقتها عادية لكنها تحفل بخصوصيتها وغرائبيّتها. صور الرعب والخوف في مشهد أطفال هاربين من انفجار ما، هي في أصل الصورة كما التقطها ذات يوم هي مشهد أطفال يلعبون. الضوء هنا ضروري ويأتي من حيث لا يمكن معرفة مصدره. صور معلقة في فضاء ما وضوء يأخذ الذات إلى حيث لا تدري، لتجد ذاتها وتبحث عن نفسها وعما تخفيه هذه الصور من جمال أو قبح. في هذا المعرض استطعت أن أرى من خلال صوري لأكتشف عالماً آخر.
في معرض "حتى النهاية روح المكان" والذي تم عرضه مع "كان ياما كان"، نظرت حولي فوجدت أن ألاماكن التي اعرفها تختفي بسرعة، القدس التي عرفتها في طفولتي لم تعد هي. المكان، الحجارة، المباني، كلها تختفي بشكل متسارع لتحل مكانها كتل بلا روح وخصوصاً ما ألحقه الجدار من خراب بصري.لذا عمدت إلى اخذ حجر من كل مكان عرفته وطباعة صورة من المكان لحفظ ذاكرته والتأكيد عليها. من كل مكان حجر ولكل حجر قصة ولكل قصة صورة، أحيانا تأتي من ماضٍ سحيق لكنها تحمل إشارة انتمائها للواقع. تكمن الفكرة في عدم الفصل بين الماضي والحاضر والتركيز على روح المكان العالقة فينا حتى لو اختفى المكان. بعد زمن سأعيد كل حجر إلى مكانه ليبقى فيه.
في معرضي الأخير "كان ياما كان" الذي افتتح مؤخراً في المركز الثقافي الفرنسي الألماني برام الله، وسينتقل قريباً ليعرض في القدس والذي هو عبارة عن صناديق ضوء، كنت أمام تحد لجذب المشاهد الذي يحضر أغلب المعارض ولا يرى شيئاً ولا يلتفت للصور ذاتها. كان يجب أن اكسر هذه النمطية بخلق أجواء تأخذ المشاهد وتسحبه من عالمه إلى عالم الصور.
لقد أردت خلق تجربة حميمية ومباشرة بين المشاهد والصور حيث ينعزل المشاهد عن محيطه ويبدأ بالتجوال في بعد آخر. فمن خلال إغلاق عين واحدة، فإن هذا الثقب المدور في الوسط يقوم بدو نفق المرور عبر الزمن والوجهة هي فلسطين، أما الصندوق المتعدد الأبعاد فإنه يمنح المشاهد منظرا معمقا في فضاء ثلاثي الأبعاد تتراص فيه الصور الواحدة بجانب الأخرى وفي مجموعها فإن الصور تروي حكاية شعب وارض.من خلال خمس قصص فلسطينية في صناديق تشبه صندوق العجب الذي استخدم كثيرا في الماضي كبديل للسينما.
إن الهدف من أسلوب العرض هذا جذب المشاهد للنظر عن قرب للصور ليسترجع بعض الخيالات والذكريات التي ستبقى في ذاكرته بعد أن يغادر المعرض.الصندوق يشبه تابوتا حجريا، فأنا أؤمن أن الموت هو مرحلة انتقالية من فضاء أحادي البعد إلى فضاء آخر وفي الموت نتحول فعلا إلى وجود آخر، هذا التحول مهم بالنسبة لي لأنني أتمنى أن تلك القصة التي تقبع في الفضاء المظلم ستبعث من جديد وتحظى بالحفاوة مرة أخرى.هذا التابوت الحجري هو العربة التي تنقل القصة لتصل مباشرة إلى بصائرنا وعقولنا.
المشاهد يرى ذاته وذاكرته، يدلف من الظلام إلى النور لإيقاظ الذاكرة من سباتها.
"
كان يا ما كان" كان تجربة جديدة بالنسبة لي، حيث شاركني فيه خمسة من أفضل وأطيب الفنانين الفلسطينيين؛ حيث قام كل واحد منهم بالرسم على واحد من الصناديق: الفنان هاني زعرب، رسم صندوق "ما بعد بحر غزة"، بشار الحروب"الأرض"، الفنانة إيناس حمد رسمت صندوق"رقصة العروس"، الفنان منذر جوابرة رسم صندوق "الدليل"، الفنان رأفت الأسعد رسم صندوق"يوم هاجرت الطيور".
"
ما بعد بحر غزة" كما صوره هاني زعرب يحمله صندوق بلون ازرق وطرطشات موج وبحر وشاطئ موجود لكنه مغيب وحاضر في ذات الوقت. ورائحة برتقال تداهمه حين يضع عينه على أول نفق الرؤية
الأرض كما صورها بشار الحروب، تأتي في صندوق صوره داكنة تبرز ارض خالية ووجوه مختلفة وإنسان على هذه الأرض، ارض هي الهوية وهي الوطن، وصور داكنة تؤكد على البقاء كعباءة قديمة تذكرنا أننا مازلنا هنا.
في رقصة العروس تصور إيناس حمد، فرحنا الفلسطيني من خلال صندوق ابيض في مشاهد من حكايات، عروس ترقص في، ياسمين منقوش على الصندوق يأخذ المشاهد إلى واقع الفرح. اليد التي تحرك الصور ملفوفة بقطعة من فستان العروس ليلمس المشاهد كل تلك التفاصيل.
أما رأفت الأسعد فيصور في"يوم هاجرت الطيور" سطح البيت وتوديع الأرض، كأن بشراً يغادرون وطيوراً ترحل، في إحالة إلى الهجرة القسرية للفلسطيني عن أرضه ونزعه الدائم عنها. هناك اهتمام بالمسافة بين الرحيل القسري والوجود الدائم ليؤكد أننا رحلنا لكن أرواحنا لم تزل هناك.
تجربتي مع هؤلاء الفنانين تجربة غنية بروح جماعية برهنت على وجود فنانين باستطاعتهم تخطي فرديتهم نحو تعاون فني خلاق.
ما أريده لهذه الصناديق أن يراها الجميع وتحديدا الفلسطينيون لأنها تحمل واقعنا وذاكرتنا وحياتنا وحلمنا وتؤكد أننا لن نختفي وأننا باقون.
ويظل ستيف يبحث عن معرفة اكبر لهذا الكائن الذي يرى ذاته في صوره، ربما كان يصور حلمه وواقعه لكنه بالتأكيد يخلق جمالا مغيبا يجهله الاخرون ويخافونه لكنه يؤكد أن جمال هذه الذاكرة لن يختفي.